التاريخ: 2003/05/02-16:01:42 عدد المشارکين: 559
هل يصمد الموقف الفرنسي طويلا ؟!

علي عقلة عرسان

يقول الخبراء‌ العسکريون الاميرکيون و منهم « اسکواير » الذي ايد الحرب العدوانية‌ علي العراق و دافع عنها بحماسة‌ کبيرة « ستشکل حربنا المقبلة في الخليج الفارسي منعطفا تاريخيا ، انها اللحظة التي تحکم فيها واشنطن قبضتها علي الامن الاستراتيجي في عصر العولمة ...و السبب الحقيقي وراء‌ دعمي لحرب کهذه هوأنه سينتج عنها التزام عسکري اميرکي طويل الامد سيجبر الولايات المتحدة اخيرا علي التعامل مع الثغرة بکاملها کمصدر خطر استراتيجي .» ويقصد بالثغرة البلدان التي تصبح تحت السيطرة المباشرة او غير المباشرة للنظام العولمي الذي تقوده و تشرف عليه الولايات المتحدة‌ الامريکية‌ . و في هذا القول اشارة الي المدي الذي يمکن أن يبلغه التدخل الامريکي المباشر في شوون المنطقة ، والابعاد الاستراتيجية للسياسة الاميرکية‌ ، لا سيما في مجال السيطرة علي الطاقة والثروة و التوجهات الثقافية و التربوية و القرار السياسي و الاسواق الاستهلاکية و المال و المواد الاولية في البلدان العربية و الاسلامية‌ فيما يسمي الشرق الاوسط ، و جعل الحليف العضوي لها في المنطقة الکيان الصهيوني : آمنا و معترفا به و مطمئنا الي مآل ما سرقه من العرب و الي نتائج ما ارتکبه من جرائم ضد الشعب الفلسطيني بشکل خاص وأبناء الامة العربية بشکل عام، و جعله مسيطرا مزدهرا و مهيمنا قبل کل شيء.

إذا کان البرامج الامريکي قد بدأ بتدمير افغانستان و احتلالها ، ثم بتدمير العراق و احتلاله ، و باعطاء الضو الاخضر للمجرم شارون منذ 28 مارس 2000 حتي اليوم ليدمر مقاومة الشعب الفلسطيني و مقومات صموده و حياته ، وأخذ القائمون عليه يلوحون بعد سقوط بغداد مباشرة بتهديد سورية ووجهوا اليها قائمة‌ مطالب صهيونية‌ أميرکية‌ للتنفيذ ؛ فانه بعد شهرين من سقوط بغداد وضع «سيناريو » تحرکه القادم باتجاه طهران من دون أن يهمل سورية‌و لبنان و المقاومة‌ الفلسطينية التي يلوح بارسال قوة امريکية‌ لتساهم مع شارون بتصفيتها إسباغا " لشرعية المجتمع الدولي " علي ذلک الفعل الاجرامي المستمر تحت سمع العالم و بصره ؟!

و الولايات المتحدة‌ الامريکية‌ تلجا الي عملية‌ تحييد لبعض الدول في المنطقة و تجزيء للاهداف حتي تضمن عدم وقوف المستهدفين الحاليين و المحتملين في صف واحد ضدها من جهة‌ و بقاء‌ الکتة البشرية الرافضة‌ لهذا النوع من التدخل و العدوان تحت سيطرة‌ أنظمة موالية‌ لها و قامعة‌ للشعوب من جهة‌ اخري ، و تعمل علي تعزيز قوة سلطة ضد شعبها هنا و اضعافها بتحريک الشعب ضدها هناک علاقة سلطة هذا البلد أو ذلک بها و رضاها عن تعاونها معها . و لکي تقدم الولايات المتحدة‌ نفسها قوة خارقة لا يرقي الي قدرتها شک ، فانها تضرب و تدمر و ثم تحشد و تهدد ، و توظف إعلامها و الاعلام المتعاون معها لما تسميه إحداث : " الصدمة‌و الترويع " و تخلق وضعا نفسيا و اجتماعيا قلقا و مربکا لکي تضع هدفها التالي أمام معادلة‌ غاية في الصعوبة فتجعله يوازن بين مقاومة الخضوع للامريکي و التسليم بکل مطالبه قبل أن ياخذ منه ما يريد و يلحق به دمارا و خسائر فادحة و يضعه في دائرة الاحتلال .

ومن يدخل في دائرة‌ الاحتلال و تغزوه الجيوش الامريکية‌ لتهديه الموت و الدمار وتزرع في وطنه اليورانيم المنضب ليفتک بحياة شعبه ببطيء الي الاف السنين يکون محظوظا بنظر الخبيرالاستراتيجي الامريکي إسکواير الذي يقول : « سقوط دولة ما من عربة العولمة وارد دائما ، و سقوط هذه الدولة يودي الي حمام دم ، و الي ارسال القوات الامريکية اليها اذا کانت هذه الدولة معني الحظ و مفهومه و ربما اهتدينا الي انه يعني : وجود ثروات طبيعية علي راسها النفط في ذلک البلد، فالقوات الاميريکة ترسل للسيطرة علي تلک الثروات ... وهذا نوع من الحظ بالمفهوم المادي النفعي البرغماتي فيما يبدو ... وهو يعيد رجع کلام الشاعر الانجليزي رديارد کبلنغ الذي کان يري ان استعمار إنکلترا لاي بلد منة حضارية علي أهله ؟! فالامريکيون بهذا المنطق يرون ان احتلالهم لارض الاخرين منة من دولة کبيرة تملک زمام النظام الدولي لدولة صغيرة‌ هي بيدق في ذلک النظام ؟! إنه المنطق الامبريالي العنصري المتعفن الذي يصدر الينا اليوم مغلفا بورق السوليفان ليقدم صيغة جديدة من صيغ استغلال الشعوب و السيطرة علي مقدراتها .

لکن ذلک النهج الامبريالي الامريکي فتح الطريق فيما يبدو أمام مرحلة جديدة‌ من التنافس قد تودي الي مواجهة من اجل المصالح بين قوي الاستعمار القديم و قوي الاستعمار الجديد ، و بين الدول الصناعية المتقدمة ذاتها رغم التنسيق و تبادل المنافع و قد تضطر بعض الدول الي دخول حلبة الصراع الساخن ، ليس بدافع السيطرة و الربح بل الهدف الدفاع عن النفس من خلال الدفاع عن المصالح الحيوية لاسيما في مجال الطاقة و تامين الاسواق ، وقد لانکون مخطئين اذا نظرنا الي غزو العراق و احتلاله علي انه بداية صحوة‌علي ضخامة مخطط الامبريالية الاميرکية للسيطرة علي العالم ، و لعي الطاقة من دول العالم .

في هذا الاطارأقرأ‌ التحرک الفرنسي الاخير الذي ياتي في ابان تصعيد التهديد الاميرکي لايران من جهة‌ ورغبة فرنسا و ايران في تبادل المصالح في لفتة تنطوي علي اعلان موقف يرفض الخوف من هيجان الفيل الامريکي .

لقد اعتقلت فرنسا من يسمون انفسهم « مجاهدي خلق » وهم بالوصف الايراني « منافقو خلق » لانهم يحاربون الدولة في ايران لانها اسلامية‌ تقوم علي الدين و هم يرفضون دولة‌ دينية لانهم من الشيوعيين ، مع ذلک يسمون انفسهم مجاهدين ؟! و فرنسا تقوم بخطوة قد تکون ان تعارض الولايات المتحدة الامريکية‌ الفعل الفرنسي ذاک من دون أن تفقد شيئا کبيرا من المصداقية و الهيبة . و هي خطوة لمصلحة فرنسا علي مدي أبعد من الروية القريبة .

لقد صنفت الادارة الامريکية منظمة‌ مجاهدي خلق الايرانية‌ منظمة ارهابية ، و دعت دول العالم الي التعامل معها وفق هذا التصنيف ، و کانت تلک المنظمة‌ تتعاون مع صدام حسين و تتعامل معه ،وهذا وحده يجعلها تنظيما خطرا من وجهة النظر الامريکية‌ . ولکن بعد احتلال العراق ، ومع بداية‌ تخطيط الولايات المتحدة‌ الاميرکية‌ لمرحلة تالية‌ في مسلسل العدوان تستهدف ايراني تحت عنوان محاربة الارهاب ، اخذت تضع السيناريو الملائم لمحاصرة ايران و التدخل في شوونها الداخلية‌ ، ومن ثم اجبارها علي الدخول في الفلک الامريکي طوعا و کرها ، و تلبية مطالبها و مطالب حليفها الکيان الصهيوني او التعرض للعدوان .

لذا قامت الولايات المتحدة‌ الامريکية‌ بحماية‌ مجاهدي خلق و تقريبهم اليها لانهم يعادون النظام القائم في ايران ، و شجعتهم علي التحرک ضد ايران لتستخدمهم مخلبا لها ... و غضت الطرف عن موضوع تصنيفها لهم تنظيما ارهابيا ، و لم تتعرض لهم في أثناء هجماتها علي العراق ،علي عکس ما قامت به مع منظمات اخري في العراق صنفتها منظمات ارهابية مثل " انصار الاسلام " فقد قصفت القاذفات الاميرکية‌ جماعة انصار الاسلام و الجماعة الاسلامية‌ في منطقة خرمال في شمال العراق يوم الجمعة 22 مارس 2003 و استشهد 33 شخصا عدا الجرحي و الدمار الذي لحق بقواعد الاسلاميين في قصف قرية" احمد آوي " ، وانتقل أفراد الجماعة وحين تحرک أتباع الولايات المتحدة الجدد ضد ايران و خططوا للقيام بعمليات ضد سفارتها في اوروبا .

استخدمت فرنسا تعميم التصنيف " الارهاب " الذي أجبرت الولايات المتحدة‌ الامريکية حلفاء‌ها و اصدقاءها علي الاخذ به بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 فقامت باعتقال عناصر " مجاهدي خلق " في باريس و ضواحيها بوصفهم منظمة ارهابية تعد لتنفيذ أعمال إرهابية ضد سفارات الجمهورية الاسلامية في اوروبا ..

وجاء‌ هذا ليخدم المصالح الفرنسية الايرانية المتبادلة و المتعاظمة في ظل التهديد الاميرکي لايران و وضعها لسيناريو التهديد و العدوان للسيطرة علي قرار ايران و نفطها مستقبلا و احکام القبضة علي الخليج الفارسي و هذا الامروضع الادارة الامريکية في حرج فهي تريد أن تحمي " مجاهدي خلق " و توظفهم ضد الجمهورية‌ الاسلامية‌ في ايران ، و لا تستطيع أن تطلب من الفرنسيين عدم تطبيق قرار تلاحقهم هي بشان تطبيقه وهو قرار يتعلق بما تسميه الولايات المتحدة المنظمات الارهابية التي صنفت منها الکثير و جعلت ذلک التصنيف تصنيفا دوليا تطلب من الامم المتحدة ومن الدول الاعضاء‌ تطبيقه .

إن الولايات المتحدة الاميرکية‌ لا يخجلها المعيار المزدوج الذي تطبقه ، وعندما تقتضي مصالحها تغير التصنيف لانها تفعل و لاتکترث بالاخرين ومصالحهم .. ولکن فرنسا وجدت ذريعة‌ تسد الطريق علي ذرائع الولايات المتحدة‌ الاميرکية‌ للتدخل في هذا الشان‌، ووجدت في الفعل مفتاحا لتعميق العلاقة مع ايران ، وأرسلت رسالة سياسية واضحة الي الولايات المتحدة الاميرکية بانها سوف تدافع عن مصالحها في الخليج الفارسي و لن تفرط بتلک المصالح .

ومن ثم فان علي الولايات المتحدة‌ الاميرکية أن تاخذ ذلک بعين الاعتبار و هي تخطط مرحلة جديدة من مراحل سيطرتها علي " الشرق الاوسط " واحکام قبضتها علي الخليج .

والسوال : الموقف الفرنسي إلي أين بعد هذا الفعل ؛ هل يصمد هذا الموقف الفرنسي طويلا ؟

و هل تذهب فرنسا الي حد الوقوف الجدي مع ايران لضمان المصالح المتبادلة لدولتين ؟و هل فرنسا وحيدة " اوروبيا " في هذا الموقف أم أنها تنسق مع دول أخري منها ألمانيا و بلجيکيا ؟ هل تسارع للاستفادة من الظروف و المستجدات في الساحتين البريطانية و الامريکية‌ بعد التحرک البرلماني في کل من البلدين لطرح موضوع تضليل کل من بوش و بلير للحکومتين و البرلمانين في البلدين بشان اسلحة الدمار الشامل العراقية و شن حرب بسببها علي العراق ، بعد أن تبين أن تلک الاسلحة غير موجودة ، و أن المعلومات صنعت و ضخمت ، الاسئلة کثيرة و الاحتمالات کثيرة ، و کل شيء ممکن ، و ما أظن فرنسا تتراجع عن موقفها فکل ما لديها من حجج يشکل قوة .. ولکن يبقي الموشر الذي يمکن أن نقرأه لاحقا : الي أين تسير علاقات الولايات المتحدة الاميرکية والثلاثي الاوروبي الذي تتزعمه فرنسا بعد نمو تعاون ومصالح حيوية علي راسها النفط ، بين بعض الدول الاوروبية وايران ؟؟ و هل تبقي ايران وحدها في مثلث التعاون هذا أم أن المثلث سيتسع ليصبح مربعا و مثمنا ؟! إن الايام القادمة ستجيبنا علي هذا السوال ، و أنا أتمني قيام تکتل مصالح ، و وعي شامل بالخطر الامريکي ، يضعفان السيطرة الاميرکية علي العالم و يخففان من هيجان الوحش الاميرکي في الوطن العربي و العالم الاسلامي .


 © Copyright 2004 www.irandidban.com